Announcement

Collapse
No announcement yet.

هل هي فعلاً لغة الآخرين؟

Collapse
X
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • هل هي فعلاً لغة الآخرين؟

    جنى الحسن - العربي الجديد


    "قد تكون اللغة لغة الآخرين وليست لغتك الخاصة".

    هذا ما قالته الكاتبة الروائية ساكياما تامي، من محافظة أوكيناوا، وهي أقصى محافظة يابانية جنوبية انضمت إلى اليابان في أواخر القرن الثامن عشر، وحيث هناك حالياً ميل إلى الانفصال عن اليابان من قبل السكان ونزعة للاستقلال، إذ يعارض السكان وجود قواعد أميركية عسكرية هناك والتي تتواجد مبدئياً لتأمين الحماية لليابان.

    استقلال أوكيناوا أو بقاء الجزيرة كجزء من اليابان ليس مسألة البحث هنا، لكن الذاكرة واللغة ومعنى الانتماء إلى بقعة أرض صغيرة، كلها تنعكس في أدبٍ وفنٍّ هادئ لكنْ عنيف في الوقت نفسه.

    خلال ورشة عمل عقدتها جامعة سيكي في طوكيو حول الأدب في أوكيناوا وأيضاً الشرق الأوسط والمواضيع المتعلقة بالذاكرة والوطن، تكلمت الكاتبة الستينية صاحبة رواية "القمر ليس بخير"، عن علاقتها مع والدتها التي مرضت بالسرطان عندما تقدّمت في السن، فشعرت الابنة تجاه والدتها بأنّها مدينة لها نوعاً ما. شاركتها الفراش على مدى أشهرٍ طويلة كأنّها تودّعها كل يوم.

    اعتادت والدتها أن تخبرها الحكايا، ومن ضمن الحكايا كانت تخبرها عن منزل في جزيرة Treasure Island الكورية حين كانت مستعمرة من قبل اليابان. وكان المنزل يضمّ ما يعرف بـComfort Women، والترجمة الحرفية لهذا هي "نساء الراحة"، وهنّ نساء كوريات كنّ يؤخذن كسبايا في الحرب لصالح المقاتلين الرجال اليابانيين. كانت والدة تامي تسمع أصواتاً أو كلمات غير مفهومة من ذلك المنزل. ثمّ راحت تكرّر هذه الأصوات والكلمات خلال حياتها أي تقلّدها، متأثرة بما كان يدور هناك. وكانت قد انتقلت إلى هناك مع زوجها وعائلتها لأنّ زوجها كان مرتبطاً بالعمل ثم توفي لاحقاً.

    باتت الأم بعدها تصنع الملابس وتبيعها حتى تعيل أبناءها، لكن أصوات أولئك النسوة بقيت عالقة في ذهنها ومنها انتقلت إلى ذهن ابنتها رغم أنها لم تسمعهن. وبالنسبة إلى تامي النحيلة والصغيرة البنية والتي بقيت والدتها تصنع لها الملابس على مقاسها الخاص الصغير حتى وقت متقدم من عمرها، المسألة بالنسبة إليها هي كيف تكتب ذاكرة والدتها، فهي لم تخبرها كل شيء. كيف تكتب عن مكان لا تذكره بشكل كامل وبأي لغة تكتب؟ هل تكتب بالأحرف اليابانية أو تكتب بلغة أرضها الأم أوكيناوا؟ اتجهت الكاتبة إلى الخيار الثاني، الكتابة بالأوكيناوية، والعيش في تلك الجزيرة. لكنها بقيت تواجه صعوبات اللغة وصعوبات أن تروي نفسك. فهي تقول إنّه أثناء الكتابة، هناك ما يعيقك أو يقف كحاجز، هذا الحاجز هو السؤال أثناء الكتابة عن تعريف ذاتك ومن تكون هذه الأنا. وعلى حد قول تامي "اللغة ليست ما تتعلمه من تلقاء نفسك، بل هي أشبه بتجسيد لما تتعرض له خلال حياتك".

    تأخذ الكاتبة في حديثها اللغة خارج إطار الأحرف وحتى خارج إطار التعبير الشخصي، لتجعلك تتخيل الكلمات في لحظات أشبه بهوية أحياناً وأحياناً أخرى أشبه بمجموعة من الكلمات مرصوفة بشكل معيّن لتعطي المعنى وترسم في الوقت نفسه لوحة أنيقة.

    اللغة فعلاً ليست الكلمات فحسب، ولا حتى اللكنة أو اللهجة أو اختلاف الأحرف أو طريقة كتابتها. هي أشبه بما يحمله المرء من تعابير في وجهه وملامحه، بنبرة كلامه وبما يدور في داخله وهو يجمع حروفه وكلماته داخل ذهنه لكي ينطقها للآخرين.

    هذه العلاقة مع اللغة تطرقت إليها أيضاً شاعرة كورية تعيش في اليابان هي كيونغ مي بارك، التي كانت علاقتها مع لغتها الكورية معقدة أيضاً. كطفلة كورية تعيش في اليابان، كانت لغتها الأم اليابانية مختلفة عن لغة البلاد التي يأتي منها والدها ووالدتها، أي اللغة الكورية. وحين تعرّفت على لغة ذويها، لم تحب كيونغ مي بارك هذه اللغة، بل مقتتها بسبب كل المخاطر التي انطوت عليها. فقد كانت العلاقات بين اليابانيين والكوريين بعد الاستعمار شائكة. وبالتالي أتت كراهية اللغة الأم بالنسبة للفتاة أشبه بالخوف منها أو الشعور بأنّها فاصل بينها وبين الشعب الذي تعيش معه.

    هذه العقدة تجاه لغتها الأم بدأت تنحل بسبب شاعر كوري اكتشفته الشابة أثناء المراهقة وهو يون دونغ جو، وقد عُرف بكتابته الشعر الغنائي وشعر المقاومة أثناء الحقبة الاستعمارية، بما يعكس الشعور بخسارة الوطن وحتى نظرة غير اعتيادية ككبش فداء للوطن والاستسلام لشعور بالخزي ينتج عن عدم القدرة على عيش حياة كاملة ولائقة في ضوء الوقائع الاجتماعية والسياسية الموجودة. ونذكر من شعره الأبيات التالية:

    "متمنيا ألا يكون لدي
    ولا حتى أي شعور ضئيل بالعار

    تجاه السماء حتى يوم أموت،
    لقد عانيت، حتى عندما أثارت الرياح الأوراق.

    مع قلبي الذي يغني إلى النجوم،
    سوف أحب كل الأشياء التي تموت.

    ويجب أن أسير على الطريق
    التي أًعطيت لي.

    لكن هذه الليلة، مرة أخرى، تُنحّى النجوم
    من قبل الرياح".

    والشاعر الآخر الذي تأثرت به كيونغ مي بارك هو أيضاً من الحقبة الاستعمارية وهو مترجِم للغة الإنكليزية، ومن ضمن قصائده التي اقتبستها مي بارك قصيدة "منتصف النهار":

    "منتصف النهار
    لقد أتى شتاء مقفر تماماً.

    أيّتها الفتاة الصغيرة.
    هل يمكن أن تصفّري؟
    صفارة متخيلة بأصابعك؟

    وعلى أطراف الأصابع التي تصفر
    تحترق شعلة متوهجة.
    تستمر بالاحتراق وتضيء المكان.

    مقفر، أليس كذلك".

    الشعر لم يكن فقط مصدر إلهام للشاعرة الكورية، بل أيضاً لمخرجة ومصورة من أوكيناوا هي ياماشيرو شيكاكو، والتي كان آخر أعمالها فيلم مصوّر من 15 دقيقة تقريباً تظهر فيه ما تفعله الحرب بالإنسان. فشيكاكو ولدت عام 1976، بعد أربعة أعوام من استعادة اليابان لأوكيناوا بعد 27 عاماً من الاحتلال الأميركي. لكن الشابة تتحدّث من خلال المؤثرات الصوتية والسمعية عن المأساة البشرية التي تتخطى اللغة وتتشابه في كل الأماكن. فهي تصور أيادٍ تمتد من الأرض بينما الطين يسقط على وجوهها. وتختم فيلمها بالأيادي التي تمتد وتلوح مع الأزهار البيض في ما قد يكون رسالة أمل أو وداع.

    شيكاكو قدّمت أيضاً أكثر من ثمانية اقتباسات لشعراء آسيويين يتحدثون عن الوطن، ومن ضمنهم يوجي تاكاهاشو، والتي نقلت أبياته التالية:
    "لديه أجنجة!".
    "هل يفاجئك الأمر؟"، سأل الرجل العجوز.
    "الجميع لديهم أجنحة.
    لكنها بلا جدوى. كنت لأمزقها لو أستطيع".
    "لماذا لم تحلّق بعيداً؟"، سألته.
    "ولماذا أطير بعيداً عن بلدتي؟
    لماذا أترك وطني؟ أرضي، الموتى والآلهة؟".

    اتّسمت لغة الشعر والكتابة التي عرضت أثناء ورشة العمل بشكل عام بالهدوء، هدوء ينطوي على الكثير من الصخب لكن بعيداً عن الانفعالات. هذا الهدوء العنيف يجعلك تشعر كأنّ اللغة وصلت إليك بعد رحلة طويلة ومضنية، رحلة هي تجربة بشرية حاولت أن تجرّد نفسها من الضجيج وبقي فيها فقط الوجع الخالص.

    أوجاع الشعوب تتشابه في كل الأمكنة، وأصواتهم سواء كانت صامتة أو صارخة، أصوات أبعد من لغة الكلمات. والطين الذي سقط أثناء الفيلم على أوجه بشرية المفروض أنّهم سكان أو حتى موتى أوكيناوا هم أوجه كل إنسان مضطهد توجه إليه اللكمات في كل مكان وفي كل أرض.

    وفي التعبير عن هذا الوجود الإنساني، سواء فرحاً به أو غضبا ونقمة عليه، يجد الكاتب التركيبات اللغوية والكلمات. يجدها ولا يفكر كثيراً أثناء كتابتها، من أين تأتي اللغة؟ هل هي فعلاً آتية من الداخل أو أنها من الخارج؟ وهل هي تعبير عن الذات أم تعبير عن العالم وكيفية النظر إليه؟ هل هي أصوات نساءٍ أسيرات تقض مضجع ابنة لم تسمعهن أم صوت والدة تامي التي أرادت نقلها؟ هل هي لغتنا، صوتنا أم لغة الآخرين؟


    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
Working...
X