Announcement

Collapse
No announcement yet.

اليمن من الوحدة إلى الانقلاب (5)

Collapse
X
  • Filter
  • Time
  • Show
Clear All
new posts

  • اليمن من الوحدة إلى الانقلاب (5)

    الطريق إلى «الربيع اليمني»




    الانقلاب على الشرعية اليمنية في آذار/مارس 2015 فوّت على الشعب اليمني فرصة وضع اللبنات الأولى الواثقة على طريق البناء السياسي والإصلاحي، في عملية مُحتضنة من الشرعيات الوطنية والعربية والدولية ممثّلة بالقرارات الصادرة عن مجلس الأمن.

    أحد أبرز شروط الحلّ يتمثّل باقتناع قطبَي التمرّد باستحالة تثبيت أو تثمير ما أقدما عليه، وهذه وظيفة الحرب الدفاعية من جانب الشرعية اليمنية، المدعومة من الشرعية العربية (عاصفة الحزم).

    في هذا الملف الذي تنشره «المستقبل» على حلقات، يستعيد الزميل سليمان رياشي مسيرة الوحدة اليمنية، مقدماتها ورهاناتها وخيباتها، مروراً بأحداث 1994 المأسوية وتبلور قضيتَي الجنوب وصعده وتعثّر التجربة الإصلاحية، وصولاً إلى التمرّد على نتائج مؤتمر الحوار والردّ عليه من قِبَل الشرعية اليمنية.

    الحلقة الخامسة اليوم تضيء على أهم التطورات والأحداث التي سبقت «الربيع اليمني»، وتخاصم الحلفاء وتحالف الخصوم، وبروز العصبية الجنوبية بفعل القمع وسوء المعاملة، وصولاً الى إعادة انتخاب علي عبدالله صالح رئيساً وتعمّد الإدارة الأميركية إعطاءه «صك براءة» باعتبارها الانتخابات «حرة ونزيهة».

    إن السنوات العشر التي سبقت «الربيع اليمني» كانت شديدة الغنى بالأحداث، كان من أبرزها تشكّل ما سمّي بـِ«أحزاب اللقاء المشترك»، وهو تجمّع للمعارضة ضمّ الخصمين السابقين الحزب «الاشتراكي» و«التجمع اليمني للإصلاح» وقوى أخرى قومية مختلفة.. والجديد أنّ العلاقة بين «حزب المؤتمر» أي حزب علي عبدالله صالح والتجمّع اليمني انتقلت نهائياً من التحالف الى الخصومة، ومع هذا الانتقال خسر صالح من ضمن ما خسره وهو كثير تمثّل بانتقال الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر رئيس حزب «التجمّع»، ولكن خصوصاً شيخ مشايخ قبيلة «حاشد»، الذي طالما شكّل الحضن للنظام وللرئيس نفسه. وخلال هذا العقد سوف تتقوى العصبية الجنوبية على ضوء القمع وسوء المعاملة، وسوف تتجدّد المعارك مع «أنصار الله» في محافظة صعدة...

    صحيح أنّ عام 2006 حمل للرئيس صالح بشرى سارّة، وهي إعادة انتخابه رئيساً بنسبة 77,17%، وأن المعارضة اعترفت بنتائج الانتخابات، لكنها أدانت كافة أشكال التجاوزات التي تخلّلتها. وصحيح أنّ الاتحاد الأوروبي نقد التجاوزات (وقد سجّلها مراقبوه)، لكن الإدارة الأميركية منحته صك براءة غير متحفّظ عندما اعتبرت أن الانتخابات كانت «حرّة ومنصفة ونزيهة وستُشكّل نموذجاً يُحتذى به في المنطق»! وكان المقصود بهذا الكلام فعلياً أنّ صالح يضمن الاستقرار؛ وهو طالما راهن على هذه الورقة، ودعا اليمنيين وكذلك الخارج المعني الى المفاضلة بين سلطته والفوضى...

    إنّ الإرهاص المباشر لما سوف يُعرف بـ«الربيع اليمني» قد تشكّل فعلياً في العقد الأول من هذا القرن؛ من اشتداد عود المعارضة السياسية والإيديولوجية وتنوّعها، الى مطالب اجتماعية وسياسية مترابطة. والحدث الأبرز الذي وسَمَ هذا العقد، تمثّل بالانتخابات الرئاسية والمحلية لعام 2006. ففي الانتخابات الرئاسية حقّق صالح فوزاً مبيناً، حيث نال ما نسبته 77,17% من الأصوات، بينما حصل منافسه، فيصل بن شملان، وهو مرشّح المعارضة مجتمعة على نسبة 21,82 بالمئة من الأصوات، في ظل إقبال عالٍ على التصويت بلغت نسبته الصحيحة 65,2 بالمئة. انتصر صالح لكن السؤال الذي يطرح نفسه، وهو يكاد يكرّر السؤال الذي طُرح بعد انتصاره على «الاشتراكي» و«الحوثي»: ما تراه فاعل بهذا النصر؟ والسؤال مبعثه الحرص على اليمن وشعبه وحقّه في الديموقراطية والتنمية. لقد أنجز صالح نصره الانتخابي في مجتمع منقسم على أوضح ما يكون الانقسام، على الصعد السياسية والمنطلقات الإيديولوجية السياسية والدينية المتباينة، وعلى صعيد الفروقات الاجتماعية المتفاقمة، بالإضافة الى الانقسامات القبَلية كذلك. الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر شيخ مشايخ قبيلة حاشد، الذي لا ينازع، والذي أفاد صالح طويلاً من نفوذه وظلَّه (وصالح من قبيلة سنحان وهي تنتمي لحاشد) اعتبر الانتخابات مزوّرة، وأحزاب المعارضة بمجموعها، وإن لم تتمرّد على نتائجها، فهي أشارت الى خروقات فاضحة وأشّرت الى الفساد والتصرف بالمال العام ووضعه في خدمة المرشح الفائز، كما أشّرت الى التجاوزات الأمنية والسطو على الصناديق في بعض المناطق. وقد سبق وأشرنا الى أن الرئيس – المرشح قد أقرّ بصرف مكافأة شهر إضافي لمليون موظف يمني قبل أيام من الانتخابات.. هذا في بلد تقول الإحصاءات أن مستوى الفقر فيه قد تضاعف بين عامَي 1990 و2005، وأن تقدير الناتج الإجمالي المحلي فيه، عام 2005، كان يقلّ بدرجة كبيرة عن التزايد السكاني، وهو بلد تعتمد ميزانيته بنسبة 75 بالمئة على النفط لتغطية نفقاتها، وإن تقديرات البنك الدولي، بالنسبة للنفط، أنّ إنتاجه لن يكون بمقدوره تغطية النسبة ذاتها من نفقات الموازنة.. وهذا ساهم في إشعال حملة غير مسبوقة لمكافحة الفساد والمحسوبية، وقد أدّت الأجواء الى خروج مجموعة من ستة عشرة نائباً من حزب صالح (حزب المؤتمر) والمباشرة بتشكيل لجنة لمكافحة الفساد والمحسوبية. والسؤال المشروع الذي يطرح نفسه هو: كيف ينال صالح هذه النسبة العالية من الأصوات في ظل هذا التردّي السياسي والاقتصادي والاجتماعي؟ الباحثة سارة فيليبس التي مرَّ ذكرها، تميل للاعتقاد بأنّ الدافع الأساس تمثّل بالحفاظ على الاستقرار، وعلى حدِّ قولها، فقد تصرَّف الشعب اليمني على قاعدة المثل الشعبي اليمني الشائع «شيطان تعرفه خيرٌ من شيطان تتعرّف إليه»! والاستقرار، هاجس اليمن واليمنيين المشروع، دفع بأحزاب المعارضة اليمنية للإعلان في 20 أيلول/ سبتمبر 2006 بأنها «ستقبل نتائج الانتخابات الرئاسية من أجل السلام والاستقرار».

    توظيف ميزة الاستقرار

    وفي تقريرها الصادر في 21 أيلول/ سبتمبر من العام نفسه قالت لجنة مراقبة الانتخابات التابعة للاتحاد الأوروبي، بعد أن أشارت الى أن الانتخابات كانت «منافسة سياسية مفتوحة وفعلية» وأن عيوباً كثيرة شابَتْها.. «لا سيما مشاركة أشخاص دون السن القانونية في الاقتراع وترهيب الناخبين وتوقيف مرشّحي المعارضة (يقصد الانتخابات المحلية التي جرت بالتلازم مع الرئاسية) والاستخدام المفرط لموارد الدولة من جانب الحزب الحاكم أثناء الحملة الانتخابية..». أما البيان الذي أصدرته الإدارة الأميركية، فقد قال إن الانتخابات كانت «حرّة ومنصفة وستُشكل نموذجاً يُحتذى به في المنطقة».

    وتعلّق ساره فيليبس عن حق بأن «الولايات المتحدة تقدّر فعلاً قيمة الاستقرار أكثر من قدر أكبر من التنافس الديموقراطي». أما الرئيس صالح، فكان يدرك قيمة توظيف ميزة الاستقرار في السياسة في الداخل والخارج، ولطالما خاطب محاوريه، بأن الاستقرار في ظل حكم سلطوي هو خير من انهيار الدولة؛ وكأن يسأل «أيهما أفضل، ديكتاتورية محمد سياد بري أو الواقع الراهن في الصومال؟» أما هذه المفاضلة العجيبة بين منع الديموقراطية عن الشعب اليمني.. وتعطيل التنمية وتسييد الفساد والمحسوبية وبين الديكتاتورية فسرُّها عند صالح.

    وفي الواقع، الأمر ليس سرّاً، إنه سرٌّ شائع عند ديكتاتوريات العالم العربي، بل العالم كافة. إنه لسان حال الديكتاتور أينما كان: أنا أو الفوضى، سيطرة الفساد والمسحوبية وتوظيف المال العام في خدمة مشروع السلطة القابضة على كل شيء، واللعب على تناقضات المعارضة بل استجرارها وافتعالها، وإلا فالصوملة وفق جدلية الرئيس علي عبدالله صالح. على كل حال، الصدام لم يتأخر مع أنواع المعارضات كافة، وسوف يكون عام 2007 وما يليه، حتى اندلاع ما عُرف بـ«الربيع اليمني» حافلاً بكل أنواع وأشكال الصدامات. وإذا ما نحن أخذنا عام 2007 مثالاً، وهو ما أسمته بعض الأوساط السياسية والإعلامية بـ«عام الغضب»، لاتّضحت معالم العاصفة المقبلة على اليمن بعامّة وعلى جنوبه وشماله بخاصّة.

    أحداث صعده.. وتدخّل إيراني وليبي

    لقد انفتح العام (كانون الثاني/يناير) على اندلاع المواجهات بين القوات الحكومية والحوثيين واتساعها لتشمل مناطق عدة في محافظة صعده، في الشهر التالي، يتخذ مجلس الدفاع الأعلى برئاسة صالح قراراً بإعادة النظر في علاقة اليمن بإيران وليبيا بناء على اتهامهما بالتدخّل ودعم التمرّد المسلّح في شمال - غرب البلاد؛ والموضوع في الواقع ليس في حقيقة تدخّل إيران وليبيا في أحداث صعده، فهذا التدخل لم يعد بحاجة الى برهان عليه، وبخاصة التدخّل الإيراني، بل إنّ ما لم يعد يحتاج للبرهان، هو تشجيع صالح للحوثيين وتبنّيهم في البداية آملاً في استخدامهم ضد خصمه الجديد، و«حليفه» السابق «حزب التجمّع اليمني للإصلاح»، والتمادي في الرقص على «رؤوس الثعابين». على كل حال مشكلة التدخّل الإيراني سوف تتفاقم، وفي شهر آذار/مارس سوف يذهب وزير الخارجية اليمني أبو بكر القربي الى طهران حاملاً رسالة من الرئيس صالح الى السيد خامنئي ترتبط بأحداث صعده، وفي شهر أيار/مايو سوف يُعلن وزير الداخلية اليمني اعتقال «عناصر إيرانية في صعده متورّطين في أعمال إجرامية ويرجح علاقاتهم بجماعة الحوثي. وفي شهر حزيران/يونيو، سوف تدعو أحزاب «اللقاء المشترك» المعارض الى «وقف فوري» للحرب في صعده التي خلّفت مئات القتلى. وفي الشهر نفسه تحصل وساطة قطرية تتوصل الى اتفاق بين السلطة اليمنية والحوثيين ينصّ على إنهاء التمرّد والالتزام بالنظام الجمهوري وتسليم السلاح، ومغادرة قادة التمرّد للإقامة في قطر». ثمَّ أن اللجنة المشرفة على إنهاء التمرّد الحوثي، سوف تتّهم الجماعة الحوثية بالمماطلة «في النزول من الجبال وتسليم أسلحتهم». طبعاً هذا الوعد الذي خلّفه الحوثيون، سوف يتكرّر عند كل منعطف، وهو يتكرّر الآن أمام أعين وعلى مسمع من المجتمع الدولي ورغم وساطاته وقراراته، وفي سياق أشد خطورة على وحدة ومصير الشعب اليمني، كل الشعب اليمني.

    عصبية جنوبية يُعاد تشكيلها

    وفي العام نفسه (2007)، سوف يشهد جنوب البلاد تصعيداً سياسياً ومطلبياً غير مسبوق، يقابله أيضاً قمع غير مسبوق منذ حرب 1994. ووفق الوكالات والمواقع الإخبارية، سوف ينفّذ العسكريون المتقاعدون اعتصامين في عدن والضالع ويردّدون شعارات... معادية للوحدة، وذلك في شهر تموز/ يوليو. أما في شهر آب/ أغسطس فسوف تفرّق القوات الأمنية اعتصاماً للعسكريين الجنوبيين في عدن ويؤدّي الى سقوط جرحى. وفي أيلول/ سبتمبر سوف يسقط ثلاثة مواطنين قتلى مع عدد من الجرحى في مدينة الضالع أثناء المواجهة بين قوات الأمن والمتظاهرين المشاركين في اعتصام نظمّته جمعيات للعسكريين المتقاعدين. وفي تشرين الأول/ أكتوبر، وفي اعتصام في منطقة ردفان (مهد الثورة الجنوبية ضد الاحتلال البريطاني) سوف يسقط 4 قتلى من المواطنين الذين كانوا يستعدّون للمشاركة في اعتصام دعا إليه العسكريون المتقاعدون. في عدن في ذكرى ثورة 14 تشرين الأول/ أكتوبر ضد البريطانيين. بعد هذا الحادث حذّر صالح من عدن نفسها، وقال إن هناك جهات تلعب بالنار، وهاجم من يتحدثون باسم الجنوب، وأكد أثناء عرض عسكري أن الجيش سوف يتصدّى لكل من يحاول المساس بالوحدة... وهذا تهديد يثير الحساسية على وجه خاص في عدن، ويشبه الحديث عن الحبال في بيت من قضى شنقاً! وفي شهر تشرين الثاني/ نوفمبر سوف يقتل مواطن ويجرح العشرات لدى تفريق قوى الأمن تجمّعات حاشدة كانت تتجمّع للمشاركة في مهرجان دعا إليه المتقاعدون في عدن بمناسبة ذكرى استقلال الجنوب في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 1967. وفي هذه المناسبة دعا صالح رموز وقيادات المعارضة الجنوبية في الخارج للعودة لليمن وممارسة العمل السياسي من الداخل مؤكّداً على مزايا الحوار... أما شهر كانون الأول/ ديسمبر فسوف يشهد مواجهات بين الأمن ومسلحين في محافظة إبين الجنوبية... وفي المناسبة يجدد علي عبدالله صالح الدعوة للحوار في عيد الأضحى ويدعو الى «تجنّب نشر ثقافة الكراهية والبغضاء والابتعاد عن أي خطاب سياسي وإعلامي لا يخدم اليمن ووحدته الوطنية وسلمه الاجتماعي..».

    لقد تعمّدنا في هذه الفقرة الاقتصار على روزنامة الاحتجاجات الجنوبية، لأنها كانت قد أوغلت في حمل مغزى يتجاوز، لدى جمهور جنوبي واسع، قضايا تمسّ الإصلاح السياسي للنظام أو المطالب الاجتماعية. والملاحظ، أن التحركات الاحتجاجية، تمحورت بمعظمها حول قضية العسكريين المتقاعدين، وهم يعدّون بعشرات الآلاف، وبعض المصادر تتكلّم عن 67 ألفاً، وهم مع أسرهم وعائلاتهم والمتعاطفين المباشرين معهم، إنما يشكّلون شريحة واسعة من الديمغرافية الجنوبية؛ ثم، وهذا هو الأهم، باتوا رمزاً لـ«الانتقام» من الجنوبيين و«التنكيل» بهم وعلامة فارقة لمَن «انهزم» ولمَن «انتصر» في حرب 1994. ان هذه العصبية الجنوبية المعاد تشكيلها سوف تلعب دوراً في الأحداث اللاحقة، كما في الأحداث الجارية حالياً.

    وهكذا سوف يواجه النظام استحقاق مطلع عام 2011، وما اصطلح على تسميته بـ«الربيع اليمني»، وهو في وضع بالغ السوء: ازدياد استعصاء المسألة الجنوبية، علاقته مع حزب «التجمّع اليمني للإصلاح» انتقلت على مرّ السنين من التحالف إلى الالتباس إلى العداء، حتى ولو لم يصل ذلك إلى حدّ العنف المسلح، وحرب في شمال البلاد (صعده) متقطّعة تكرّرت 6 مرات على مدى ست سنوات، تكرّرت فيها الوساطات والهدن بدون الوصول إلى حلول ترسّخ السلم الأهلي، وعلاقة متشنّجة مع السلفيين بأنواعهم، سواء المنضوين داخل «التجمّع اليمني للإصلاح» من مثل عبدالمجيد الزنداني أو الآخرين؛ شرخ داخل تحالف «حاشد» القبلي الذي تنتمي إليه قبيلة صالح، والتي طالما استظلت به في الماضي البعيد والقريب.. إن هذه العناصر، وعناصر أخرى غيرها، وعلى خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، واستشراء الفساد وشبكات المحسوبية، وضعف قدرة الدولة عبر هذه الشبكات على شراء الرضى والولاء من جرّاء تدهور حجم الريع القابل للتوزيع؛ هذا ما دفع بنخب من داخل الحزب الحاكم «المؤتمر الشعبي..» وبخاصة داخل البرلمان للتمرّد وتشكيل لجان لمكافحة «المحسوبية والفساد»، أي لجنة «الستة عشر نائباً».. وربما يجب إضافة عنصر تعب الناس من حاكم فرد استمر ثلاثة وثلاثين عاماً وهو يعد الناس بالاستقرار والتنمية والديموقراطية وقضى معظمها وهو يُمارس هوايته المفضلة بالرقص على «رؤوس الأفاعي». والترجمة العملية لهذا الشعار تمثّلت بعبقرية الحفاظ على السلطة وليس بناء الدولة.. في مثل هذا المناخ حلّ «الربيع اليمني» فماذا عنه وعن تداعياته التي ما زالت تتالى فصولاً.

    تداعيات «الربيع اليمني»

    ينحو العديد من الكتّاب والمحلّلين العرب إلى اعتبار «الربيع اليمني» جزءاً من «الربيع العربي»، وهذا النحو يحمل بلا شك جزءاً من الحقيقة يتمثّل في أن الثورة «الشبابية» اليمنية، جزء من المناخ العربي العام الذي ساد في عدد من البلدان وغياب الديموقراطية أو شكليتها التي أفقدتها مع الزمن صدقيتها، والبطالة المستشرية على وجه خاص في صفوف الشباب، وعلى الأخص الشباب الجامعي أو المكوَّن مهنياً، وتسلّط الأجهزة الأمنية.. واستشراء الفساد والمحسوبية والميل لاستقرارهما كنمط حياة وميل الدولة الواضح إلى التحول إلى دولة غنائمية تستحوذ على ما تستطيع وتعيد توزيع ما تريد، أو ما تستطيع لضمان وتعزيز الولاء.. وربما بتعبير آخر استقالة الدولة من وظائفها الأساسية، والتي أهمها رعاية عقد اجتماعي قابل للحياة ومفتوح على المستقبل وتحولها إلى مجرد سلطة راكمت في ذاكرة مواطني هذه البلدان ما لا يُعد ولا يُحصى من صور الحيف والآفاق المغلقة.. صحيح أن هذه سمات مشتركة لا يصحّ القفز عنها، لكن يبقى أن لكل بلد عربي كان معنياً بـ«الربيع العربي»، خصوصيته وسرديته ومحيطه الخاص كذلك.. وقد صدق شاعر فلسطين والعرب محمود درويش عندما كتب:

    لن يصبَّ النيل في الفولجا

    ولا الأردن في نهر الفرات

    كل نهر وله نبع ومجرى حياة...

    وعلى هذه الخصوصية، سوف نركز، من دون تجاهل التأثر والتأثير كلما كانت هناك ضرورة لذلك. ومن ناحية السرد الزمني للأحداث سوف نستعين بروزنامة المواقع الإلكترونية، ثم أن أحداث «الربيع اليمني» التي جرت تحت هذا المسمّى على مدى عام ونيف تخلّلتها مبادرات سياسية من قِبَل «مجلس التعاون الخليجي» والجامعة العربية وأخرى دولية، إمّا على شكل مبادرات أو اتصالات من قِبَل دول بعينها، أو من قِبَل الأمم المتحدة ممثلة بمجلس الأمن الدولي، وسوف نعرض لها عند الحاجة أي بقدر ما برز دورها وبدت أهميتها وما زالت في أحداث اليمن المستمرة فصولاً وفي امتداد زمني مفتوح مع الاسف.

    مثّلت «ثورة الشباب اليمني»، الموجة الثانية من موجات «الربيع العربي» بعد الثورة التونسية. وإذا كان يؤرخ لها بأنها ثورة 11 شباط/ فبراير 2011، فهي في الواقع قد بدأت في 15 كانون الثاني/ يناير من العام نفسه، وانطلقت كتحرك طلابي في جامعة صنعاء مشفوعة بتحرك لناشطين حقوقيين، حيث توجّه المحتجون إلى السفارة التونسية في صنعاء تضامناً مع شباب تونس ورفعوا شعارات تنادي برحيل الرئيس علي عبدالله صالح. وأعقب التحرك اعتقال عدد من الناشطين والمتظاهرين. وبعد أيام قليلة، أي في 23 كانون الثاني/ يناير أعلن صالح أنه لن يرشّح نفسه لولاية رئاسية جديدة، عند انتهاء ولايته عام 2013 وأنه لن يورث السلطة لابنه أحمد في رئاسة البلاد. ثورة 25 كانون الثاني/ يناير المصرية أعطت الشباب اليمني جرعة جديدة من الأمل والإصرار، نظراً لما بين النخب المصرية واليمنية من صلات وتفاعلات تم نسجها خلال عشرات السنين عبر البعثات الدراسية والتفاعلات السياسية وسواها. وفي بدايات شهر آذار/ مارس بدأ الأمن المركزي باستخدام العنف المكشوف ضد المتظاهرين والمعتصمين، وفي الثامن عشر من الشهر نفسه، ارتكب النظام بأمنه وقناصته مجزرة أودت بحياة 52 شخصاً ومئات الجرحى في ما عُرف بـ«جمعة الكرامة». ورغم ذلك بقي الإصرار على سلمية التحرك، وذلك رغم توفر السلاح في كل بيت. وان إحصاءات الأمم المتحدة كانت تشير إلى وجود ستين مليون قطعة سلاح فردي في أيدي الشعب اليمني، أي أن كل بالغ يمني ذكر يملك عدة قطع من السلاح. ومع تتالي حوادث القمع الدموي، سوف ينضم قادة عسكريون إلى نصف الثورة، وكان أبرزهم علي محسن الأحمر قائد الفرقة المدرعة الأولى التي دخلت في اشتباكات متقطعة، مع قوات «الحرس الجمهوري» الموالية للرئيس والتي يقودها نجله أحمد علي عبدالله صالح. وشكل هذا التدخل علامة فارقة، فسّرها بعضهم بأن الرئيس صالح قد نجح في استدراج الثورة السلمية إلى ميدانه المفضّل، ميدان العنف. لم يشكّل الطلبة والشباب ميليشيات مسلحة رغم القمع الدموي والاعتقالات، وغلبت على مطالبهم في البداية شعارات التنديد بالبطالة وبخاصة في صفوف الشباب والجامعيين، وضد عدد من التعديلات الدستورية التي كان الرئيس صالح قد اقترحها، وبشكل عام ضد منظومة الفساد.. فأرقام البطالة بلغت نسبة 35 بالمئة، كما أن مصادر الأمم المتحدة كانت تشير إلى «أن 31,5 بالمئة من اليمنيين يفتقرون إلى الأمن الغذائي بينما 12 بالمئة منهم يعانون من نقص غذائي حاد، ويعيش نحو 40 بالمئة من سكان البلاد تحت خط الفقر.. أقل من دولارين للفرد في اليوم الواحد»، وكانت الشكوى عظيمة من كون الرئيس وأقاربه يحتكرون المراكز القيادية في الجيش وأجهزة الأمن على أنواعها.

    لا ثقة بوعود صالح

    وفي عودة إلى جدولة زمنية تقريبية للأحداث، قال الرئيس صالح وفي جلسة استثنائية مشتركة للبرلمان ومجلس الشورى في 2 شباط/ فبراير 2011 «لا للتوريث، لا للتمديد، ولا لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، ودعا المعارضة إلى العودة للحوار والمشاركة في حكومة وحدة وطنية.. كما أعلن عن تجميد التعديلات الدستورية التي رفضتها المعارضة في الشارع، ووعد بتأجيل الانتخابات النيابية التي كانت مقررة في نيسان/ أبريل من العام نفسه، وكشف عن برامج حكومية للحدّ من الفقر وتوفير فرص العمل للخريجين.. كما أعلن عن توسيع صلاحيات الحكم المحلي وانتخاب المحافظين ومدراء المديريات بشكل ديموقراطي.. وعود جميلة لكنها فقدت صدقيتها فهذه المطالب الإصلاحية كان يدور النقاش بشأنها منذ سنوات طويلة وشكّلت أسباباً مباشرة ومزمنة لكافة التأزمات. المشكلة أن الثقة بالوعود باتت مفقودة، ولكن الوعود سوف تتوالى وهي في حقيقتها «استجابة» لمطالب مزمنة. ففي 10 آذار/ مارس 2011، سوف يدعو صالح إلى الانتقال «من النظام الرئاسي إلى النظام البرلماني والاستفتاء على دستور جديد للبلاد، وتوسيع نظام الحكم المحلي كخطوة أولى نحو الفيدرالية». وقال إن مبادرته «تقضي بتشكيل لجنة من مجلسَي النواب والشورى والفعاليات الوطنية لإعداد دستور جديد يقوم.. بالفصل بين السلطات»! واقترح أن يستفتى على الدستور في نهاية العام 2011. والطريف في الموضوع أنه أضاف بأنه «رغم اقتناعه بأن أحزاب المعارضة واللقاء المشترك سترفض هذه المبادرة، كما رفضت مبادرات سابقة فإنه سيقدمها إبراءً للذمّة!» وإذا وضعت «براءة الذمة» جانباً، فإن الرئيس صالح أول مَن يعلم، من موقعه وسلوكه السياسي بأن هناك هوّة سحيقة باتت تقوم بينه وبين خصوم سياسيين، لم يكونوا دائماً خصومه، وقد اختبروه في الصداقة والخصومة، كما خبرهم بطبيعة الحال. فلماذا يعتقد، هذا إذا كان قد اعتقد، أن هؤلاء الخصوم سوف يصدقون دعوته للانتقال إلى «النظام البرلماني بحيث تنتقل كافة الصلاحيات التنفيذية إلى الحكومة المنتخبة برلمانياً مع نهاية عام 2011، وتنتقل كل الصلاحيات إلى الحكومة البرلمانية»؟! خصوصاً وأنه طيلة الشهور القادمة من عمر الحراك الشعبي والسياسي لن يقوم بما يبني جسر ثقة، لن يقدم تنازلاً إلا تحت الضغط، ليعود فيحاول الالتفاف عليه.

    ومما قطع الطريق أمام بناء أي جسر ثقة أن النظام لم يكتفِ بمجزرة «جمعة الكرامة» والتي أطلق المتظاهرون على باحتها اسم «ساحة الشهداء»، بل امتد القمع الدموي إلى منطقة أرحب شمالاً في شهر آذار/ مارس، حيث جرى قتال شديد بين قوات الحرس الجمهوري وبين قبائل أرحب المتعاطفة مع الثورة. وقال الناطق باسم قبائل أرحب ونَهْمْ إن قوات الحرس تقصف منازل المواطنين.. وتستخدم في قصفها قذائف الدبابات ومدافع الهاوزر والهاون عيار 160 ملم. ثم جاء دور مدينة تعز (جنوب غرب)، والتي اعتبرها صالح دوماً مدينة عاصية، وهي شاركت في ثورة الشباب من بدايتها، ففي 29 أيار/ مايو قام الجيش بسحق الاحتجاجات وإخراج المتظاهرين من اعتصامهم في «ميدان الحرية» وأخليت الساحة بالجرافات..

    وسوف يشهد منتصف العام 2011 حدثاً خطيراً تمثّل بمحاولة اغتيال الرئيس اليمني أثناء تأدية صلاة الجمعة في» «مسجد النهدين»، وسوف يخرج الرئيس بإصابات بليغة ومعه عدد من المسؤولين الكبار من ضمنهم رئيس الوزراء علي محمد مجود ورئيس مجلس الشورى عبدالعزيز عبدالغني. وفي المناخ العام المحتقن لأبعد الحدود، انطلقت سهام الاتهام في كل اتجاه؛ أما اللافت فإن مصادر الحزب الحاكم (حزب المؤتمر) قد أعلنت أن «أصابع الاتهام تتجه نحو دولة قطر والموساد الصهيوني ومشاركة الرئيس الأميركي باراك أوباما، وأولاد الأحمر (قبيلة حاشد)، وقيادة المشترك (أحزاب اللقاء المشترك) في المخطط الإرهابي والإجرامي الذي تمّ تدبيره..». إذاً، الأمر ليس أقل من مؤامرة كونية!

    لكن الواقع على الأرض، لم يكن ليعطي مصداقية لنظرية المؤامرة هذه. فهذا الواقع كان يشير إلى أن الثورة الشبابية كانت مدعومة من أحزاب المعارضة كافة؛ وحتى حزب الرئيس صالح كان قد شهد بعض الصدوع قبل ثورة الشباب وأثناءها؛ كما أن السند القبلي الذي كان يعوِّل عليه دائماً، انقلب عليه، ومن الشمال إلى جنوب البلاد تصدّت له القبائل في السياسة عبر المشاركة في اعتصامات الشباب، وإرسال وفود منها للتضامن وبعضها تصدّى لقواته بالسلاح من صعده إلى أرحب إلى الجوف إلى مأرب إلى محافظة البيضاء وسط البلاد إلى حضرموت وشبوه في الجنوب.. هذه الوقائع وغيرها كثير، هي ما دفع بالرئيس للقبول بالتنحي عن السلطة، والموافقة على المبادرة الخليجية. وأهمية هذه المبادرة تتأتى من كونها مثّلت، وسوف تستمر بكونها الركن الأول من ثلاثة أركان تشكل موضوع لقاء واسع لحلّ سلمي مأمول للمأساة اليمنية، إذ سوف يتلازم معها القبول بمخرجات؛ الحوار الوطني، ثم القبول بقرارات الشرعية الدولية.

    الباطل صوته أعلى، وأبواقه اوسع، واكاذيبه لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن ان تقف عند حد. فكيف اذا كان بعض ابطاله قد بات في نظر نفسه والعميان من حوله من انصاف آلهة.
Working...
X